عاجل اهم الاخبارمقالات واراء

الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق عليهما الرضوان

الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق عليهما الرضوان

إعداد/ محمد أحمد غالي

الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق هو: “موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وابن السيدة فاطمة الزهراء ابنة النبي الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم “. وُلد الإمام موسى الكاظم يومَ الأحد السابعَ من شهر صفر عام ١٢٨ هجرية في الأبواء بين مكة المكرمة والمدينة المنوّرة. والده : الإمامُ جعفرٌ الصادق، ووالدته : حميدة ؛ جارية من البربر ، كانت امرأة على قدر كبير من الأدب والخلق؛ قال فيها الإمامُ الصادق : حميدة مصفّاة من الأدناس كسبيكة الذهب. قال أبو بصير وكان من أصحاب الصادق رضي الله عنه : “كنتُ مع أبي عبد الله فلما وصلنا الأبواء وضع لنا الإمامُ طعامَ الغداء ، وفي الأثناء جاءه رسول من حميدة وقد جاءها المخاض. فنهض أبو عبد الله فرِحاً وانطلق مع الرسول ثم عاد إلينا مسروراً وقال : وهَب الله لي غلاماً وهو خير من برأ الله”. وعندما وصل الإمام المدينة صنع وليمة ، ودعا إليها الفقراء ثلاثة أيام. نشأ الإمام الكاظم في أحضان أبيه الذي أدّبه فأحسن تأديبه، أطلق الناسُ عليه ألقاباً عديدة تدلّ على صفاته الأخلاقية ؛ منها : الأمين، الصابر، العبد الصالح، ولكنه اشتهر بلقب (الكاظم) ، لأنه كان يكظم غضبه. كان الإمام الكاظم نحيفَ الجسم، أسمرَ اللون، كثُّ اللحية، عليه سيماءُ الأنبياء . كان الإمامُ الكاظم رضي الله عنه يحبّ العمل، وكان له أرض يزرعها ويعمل فيها، وذات يوم مرّ به أحد أصحابه وكان اسمه علي فرآه منهمكاً في العمل والعرق يتصبّب منه، فقال له ( علي ) : جعلت فداك أين الرجال ؟ أليس هناك من يقوم بالعمل عنك ؟ فقال و هو يجفّف جبينه : يا علي قد عمل باليد من هو خيرٌ مني ومن أبي، فقال علي : من هو ؟ فقال الكاظم: “رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين كرم الله وجهه، وأبائي كلّهم كانوا قد عملوا بأيديهم، وهو من عمل النبيين والمرسلين والصالحين”. كان الإمامُ مضرِبَ الأمثال في الزهد والعبادة، وكان يطيل السجود لله معمقاً معاني العبودية للخالق القهّار. وعندما يعبد الإنسانُ ربَّه فإنه يشعر بالحرّية تملأ كيانه، فلا يخشى شيئاً ولا يهاب شيئاً إلا الله سبحانه؛ لهذا نرى صمودَ الإمام في وجه الظلم فلم ينحنِ لغير الله رغم ظلام السجون، بل أنه شكر الله على السجن وعدّ ذلك نعمةً لأنه تفرّغ إلى عبادة الله سبحانه. لقد حيّرت مواقف الإمام أعداءه، وكان بعض سجّانيه يبكي أمامه ويلتمس منه العفو. لم ينفع معه الجوعُ، ولا القيود، ولا ظلمة السجن في النيل من إرادته. وكان هارون يسعى في كل شيء من أجل رؤية الإمام خاضعاً . . حتى انه أرسل له ذات يوم جاريةً حسناء علّها تغوي الإمام ، فعادت مبهورة بروح الإمام، فإذا هي تترك حياة اللهو والمجون، وتأوي إلى عبادة الله والدعاء والصلاة. سار الإمام موسى الكاظم رضي اللّه عنه على منهاج جدّه رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم، وآبائه المتقين الصالحين علي أمير المؤمنين والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر… في الاهتمام بشؤون الرسالة الإلهية وصيانتها من الضياع والتحريف، والجدّ في صيانة الأمة من الانهيار والاضمحلال ومقارعة الظالمين وتأييد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وقد واصل الإمام سيرة أبيه في نشر العلم والتعاليم الإسلامية الحقة وتوعية الأمة وهدايتها. ونشأ على يديه الكثير من التلاميذ من العلماء والرواة. كما كانت مدرسته العلمية الزاخرة بالعلماء وطلاّب المعرفة تشكّل تحدّياً إسلامياً حضاريّاً وتقف أمام تراث كل الحضارات الوافدة وتربي الفطاحل من العلماء والمجتهدين وتبلور المنهج المعرفي للعلوم الإسلامية والإنسانية معاً، وكان من آثاره وصيته لهشام بن الحكم وهي وصية طويلة ذكرت في كتاب تحق العقول. وكانت نشاطاته التربوية والتنظيمية تكشف عن عنايته الفائقة بالجماعة الصالحة وتخطيطه لمستقبل الأمةً الإسلامية الزاهر والزاخر بالطليعة الواعية التي حفظت لنا تراث ذلك العصر الذهبي العامر بمعارف أهل البيت عليهم‌ الرضوان وعلوم مدرستهم التي فاقت كل المدارس العلمية في ذلك العصر وأخذت تزهر وتزدهر يوماً بعد يوم حتى عصرنا هذا. استلم الحكم بعد وفاة الهادي أحد أقوى الخلفاء العباسيين هارون الرشيد، وقد لعب الوشاة دورا هاما في تأجيج الوضع بين هارون الرشيد وموسى الكاظم. فهناك نفوس مريضة لا ينفع معها كل شيء . . كخيانة علي بن إسماعيل لعمه الكاظم رضي الله عنه، لقد عامل الإمام ابن أخيه بالإحسان، فكان جوابه الإساءة.
قرر علي بن إسماعيل السفر إلى بغداد، فاستدعاه الإمام وسأله عن الهدف، فقال: عليّ دينٌ وأريد أن أقضيه. فقال الإمام : أنا أقضي دينك، فلا تذهب إلى بغداد، رفض علي بن إسماعيل ذلك، وأصرّ على السفر، فقال الإمام : إذا ذهبت إلى بغداد ، فلا تشترك في قتلي. نهض علي بن إسماعيل دون جواب، وناوله الإمام صرّة فيها ثلاثمائة دينار ينفقها على عياله، وأمام هذا الإحسان كان عليُّ بن إسماعيل يضمر في نفسه الخيانة. كان يريد التملّق إلى الرشيد ، وكان يعرف أنّ الطريق إلى ذلك هو اتهام الإمام. دخل علي بن إسماعيل على الرشيد، وقال بخبث : خليفتان في زمن واحد ! لقد تركتُ موسى بن جعفر في المدينة يدّعي الخلافة وتجبى إليه الأموال. شعر الرشيد بالغضب، وأصدر أمره بإلقاء القبض على الإمام وإيداعه السجن في البصرة. لم يحصل علي بن إسماعيل إلاّ على جائزة تافهة قيمتها ٢٠٠ درهم وخرج من القصر ذليلاً، ولكنه شعر بآلام شديدة، وسرعان ما لقي حتفه فخسر الدنيا والآخرة. قَدِم الرشيدُ بنفسه إلى المدينة للإشراف على إعتقال الإمام موسى الكاظم، وخرج الناس يبكون. كان الرشيد يدرك مدى حبّ الناس للإمام ، فخاف أن يحدث ردّ فعل لاعتقاله، فأصدر أمره بنقل الإمام إلى البصرة في منتصف الليل. وفي الصباح تحرّكت قافلة باتجاه بغداد . أشاع الرشيد بأنّها تحمل الإمام الكاظم إلى بغداد.
أُلقي الإمام في زنزانة مظلمة في سجن البصرة، وقد تعجّب حاكم البصرة من اعتقال رجلٍ على هذا المستوى من التقوى والعبادة والزهد، وبعث إلى الرشيد برسالة يطلب فيها الإفراج عن الإمام.
أمر الرشيدُ بإرسال الإمام مخفوراً إلى بغداد . . حيث أودع السجن .
وقد بهرتْ أخلاقُ الإمام سجّانيه، فتنقّل من سجن إلى سجن، وكان الرشيدُ يسعى للتخلّص من الإمام، فأودعه في سجن السندي بن شاهك وهو رجل غاية في القسوة والوحشية. وقضى الإمام حياته في السجن بين صلاة ودعاء وصوم، وهو لا يزداد إلى الله إلاّ شكراً. وقد حاول البعض دفع الإمام إلى التماس العفو من الرشيد، ولكن الإمام كان يرفض الخضوع، وبعث برسالة إلى الرشيد يقول فيها : لن ينقضي عني يوم من البلاء حتى ينقضي عنك معه يوم من الرخاء ثم نمضي معاً ! إلى يوم ليس له انقضاء لا يخسر فيه إلاّ المبطلون. كانت حالة الإمام تدعو إلى الأسف، فأراد بعضهم نصيحة الإمام بأن يتوسّط أهل النفوذ في الخروج من السجن، ولكن الإمام رفض ذلك أيضاً وقال : حدَّثني أبي عن آبائه أنّ الله أوصى إلى داود أنه ما اعتصم عبدٌ من عبادي بأحد من خلقي دوني إلا قطعتُ عنه أسباب السماء وأسخْتُ الأرض من تحته. وبعد أعوام طويلة قضاها الإمام في سجون العباسيين، لقي مصرعه شهيداً بعد أن دسّ إليه الرشيدُ السمَّ في الطعام وذلك فى عام ١٨٣ هجرية. وُضع جثمانُ الإمام فوق الجسر غريباً بعيداً عن أهله وأحبّته، وادعى الرشيد أنّه تُوفيّ وفاة طبيعية، ولكن طبيباً مرّ صدفة من فوق الجسر وفحص جثمان الإمام قال : إنّ الإمام قد سُقي سمّاً قاتلاً أدّى إلى موته. وأحدثت شهادة الإمام ضجّة في بغداد. وقد توفي الإمام موسى الكاظم في رجب سنة ثلاث وقيل سنة سبع وثمانين ومائة ببغداد مسموماً، وقيل إنه توفي في الحبس، وكان الشافعي يقول: “إن قبر موسى الكاظم الترياق المجرب”. وقال فيه الخطيب البغداي، وابن خلكان، وعلماء آخرون من أهل السنة: وكان سخيا كريما وكان يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار وكان يصر الصرر ثلاثمائة دينار وأربعمائة دينار ومائتي دينار ثم يقسمها بالمدينة وكان مثل صرر موسى بن جعفر إذا جاءت الإنسان الصرة فقد استغنى. دُفن الإمام في مقابر قريش حيث مرقده الآن في مدينة الكاظمية، رضي الله عنه وأرضاه وصلى اللهم وسلم وبارك على جده الحبيب المصطفى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى